عماد الدين خليل
9
دراسة في السيرة
( عصر الرسول ) فهو يقول : « من العجيب أن يكون في القرآن آيات كثيرة فيها الكفاية لرسم صورة صادقة لشخصية النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفيها قرائن وإشارات ودلالات عديدة تساعد على التعرف على نشأته وسيرته قبل البعثة ، ثم يعمد بعض المسلمين بل بعض علمائهم إلى تجاوز ذلك إلى ما لا تساعد عليه نصوص القرآن ، بل ما تتناقض معه . فإذا كنت ممن تسنى لهم أن يستمعوا قصة من هذه القصص التي تتلى في حفلات المولد ، فقد سمعت ولا ريب نماذج من الغلوّ الذي يكاد يجعل للنبي صلى اللّه عليه وسلم شخصية لاهوتية أو في نطاق اللاهوتية . ولقد وقع غير واحد من كتاب السيرة والشمائل وشراحها في هذا الغلوّ ( وبخاصة ما يتعلق بالميلاد ) دون أن يكون لذلك أصل من قرآن أو سند من حديث صحيح أو دعامة من منطق معقول . ويبدو أن غلاة المسلمين لم يكتفوا بالوقوف عند الإنسان الكامل في النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي يتجلى بالتميز في عظم الخلق وصفاء النفس وكبر القلب وقوة الإيمان ، والمهمة العظمى التي اضطلع بها ، ورأوا أنه لا بد أن يكون من لوازم نبوته واصطفائه أن تكون ثمة مقدمات وبشائر » « 1 » . لكن أيا من المؤرخين السابقين ، أو غيرهم من المؤرخين الجادّين ، لم يقل إن الضرورة المنهجية الملحّة لرفض الإسرائيليات والقصص والخوارق تدعونا أن نقطع السيرة عن أية صلة لها بعالم الغيب ( الميتافيزيقا ) - كما يرغب دعاة التفسير المادي للتاريخ أن يكون - لأن معنى هذا بوضوح نكران لنبوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم واتصاله عن طريق الوحي غير المرئي - بعالم ( الغيب ) في السماء ، كما أنهم لم يقولوا - ولا أي من المؤرخين الجادين - أن رفض القصص والخوارق يدعونا بالضرورة إلى رفض الاعتقاد بأن اللّه سبحانه طمس على أعين المشركين الذين حاصروا دار الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، قبل هجرته ، سعيا وراء قتله ، أو أنه صدّهم عن إلقاء القبض عليه وهو مختبىء وصاحبه في الغار ، أو أنه أنزل ملائكته من السماء لتنصر القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة في معركة بدر ، ومعارك أخرى تلتها . . إن كثيرا من وقائع السيرة ، وأخبارها أوضح من أن تتكلف فيها الشروح والتفاسير والتعليقات ، ومن ثم فهي لن تحتاج إلا إلى قدر معقول من تنسيق المادة الأولية وترتيبها ، قائم على منهج علمي في الانتقاء والاستبعاد ، ليس كذلك
--> ( 1 ) عصر الرسول 1 / 25 - 26 .